فصل: تابع

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ الجبرتي المسمى بـ «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» **


 الجراكسة ثم وقعت فيهم حوادث وحروب أسفرت عن ظهور برقوق الجركسي أحد مماليك يلبغا العمري واستقراره أميرًا كبيرًا‏.‏

وكان غاية في الدهاء والمكر فلم يزل يدبر لنفسه حتى عزل بن الأشرف وأخذ السلطنة لنفسه وهو أول ملوك الجراكسة بمصر‏.‏

وبالأشرف شعبان هذا وأولاده زالت دولة القلاوونية وظهرت دولة الجراكسة‏.‏

أولهم برقوق وبعده أبنه فرج وأستمر الملك فيهم وفي أولادهم إلى الأشرف قانصوه الغوري وابتداء دولتهم سنة أربع وثمانين وسبعمائة وانقضاؤها سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة فتكون مدة دولتهم مائة سنة وتسعة وثلاثين سنة‏.‏

وسبب انقضائها فتنة السلطان سليم شاه ابن عثمان وقدومه إلى الديار المصرية فخرج إليه سلطان مصر قانصوه الغوري فلاقاه عند مرج دابق بحلب وخامر عليه أمراؤه خير بك والغزالي فخذلوه وفقدوه ولم يزل حتى تملك السلطان سليم الديار المصرية والبلاد الشامية‏.‏

وأقام خير بك نائبا بها كما هو مسطر ومفصل في تواريخ المتأخرين مثل مرج الزهور لابن إياس وتاريخ القرماني وابن زتبل وغيرهم‏.‏

وعادت مصر إلى النيابة كما كانت في صدر الإسلام ولما خلص له أمر مصر عفا عمن بقي من الجراكسة وأبنائهم ولم يتعرض لأوقاف السلاطين المصرية بل قرر مرتبات الأوقاف والخيرات والعلوفات وغلال الحرمين والأنبار ورتب للأيتام والمشايخ والمتقاعدين ومصارف القلاع والمرابطين وأبطل المظالم والمكوس والمغارم‏.‏

ثم رجع إلى بلاده وأخذ معه الخليفة العباسي وانقطعت الخلافة والمبايعة واخذ صحبته ما انتقاه من أرباب الصنائع التي لم توجد في بلاده بحيث أنه فقد من مصر نيف وخمسون صنعة‏.‏

ولما توفي تولى بعد ابنه المغازي السلطان سليمان عليه الرحمة والرضوان فأسس القواعد وتمم المقاصد نظم الممالك وأنار الحوالك ورفع منار الدين وأخمد نيران الكافرين وسيرته الجميلة أغنت عن التعريف وتراجمه مشحونة بها التصانيف‏.‏

ولم تزل البلاد منتظمة في سلكهم ومنقادة تحت حكمهم من ذلك الأوان الذي استولوا عليها فيه إلى هذا الوقت الذي نحن فيه وولاة مصر نوابهم وحكامهم أمراؤهم‏.‏

وكانوا في صدر دولتهم من خير من تقلد أمور الأمة بعد الخلفاء المهديين وأشد من ذب عن الدين وأعظم من جاهد في المشركين‏.‏

فلذلك اتسعت ممالكهم بما فتحه الله على أيديهم وأيدي نوابهم وملكوا أحسن المعمور من الأرض ودانت لهم الممالك في الطول والعرض‏.‏

هذا مع عدم إغفالهم الأمر وحفظ النواحي والثغور وإقامة الشعائر الإسلامية والسنن المحمدية وتعظيم العلماء وأهل الدين وخدمة الحرمين الشريفين والتمسك في الأحكام والوقائع بالقوانين والشرائع‏.‏

فتحصنت دولتهم وطالت مدتهم وهابتهم الملوك وانقاد لهم المالك والمملوك‏.‏

ومما يحسن إيراده هنا ما حكاه الأسحاقي في تاريخه أنه لما تولى السلطان سليم ابن السلطان سليمان المذكور كان لوالده مصاحب يدعى شمسي باشا العجمي ولا يخفى ما بين آل عثمان والعجم من العداوة المحكمة الأساس فأقر السلطان سليم شمسي باشا العجمي مصاحبًا على ما كان عليه أيام والده وكان شمسي باشا المذكور له مداخل عجيبة وحيل غريبة يلقيها في قالب مرض ومصاحبة يسحر بها العقول فقصد أن يدخل شيئا منكرًا يكون سببًا لخلخلة دولة آل عثمان وهو قبول الرشاوي من أرباب الولاة والعمال‏.‏

فلما تمكن من مصاحبة السلطان قال له على سبيل العرض‏:‏ عبدكم فلان المعزول من منصب كذا وليس بيده منصب الأن قصده من فيض إنعامكم عليه المنصب الفلاني ويدفع إلى الخزينة كذا وكذا‏.‏

فلما سمع السلطان سليم ما أبداه شمسي باشا علم أنها مكيدة منه وقصده إدخال السوء بيت آل عثمان فتغير مزاجه وقال له‏:‏ يا رافضي تريد أن تدخل الرشوة بيت السلطنة حتى يكون ذلك سببا لأزالتها‏.‏

وأمر بقتله فتلطف به وقال له‏:‏ يا باشا لا تعجل هذه وصية والدك لي فإنه قال لي أن السلطان سليم صغير السن وربما يكون عنده ميل للدنيا فاعرض عليه هذا الأمر فإن جنح إليه فامنعه بلطف فإن أمتنع فقل له هذه وصية والدك فدم عليها ودعا له بالثبات وخلص من القتل‏.‏

فانظر يا أخي وتأمل فيما تضمنته هذه الحكاية من المعاني‏.‏

وأقول بعد ذلك يضيق صدري ولا ينطلق لساني وليس الحال لمجهول حتى يفصح عنه اللسان بالقول وقد أخرسني العجز أن أفتح فما أفغير الله أبتغي حكمًا‏.‏ وفي

 

أثناء الدولة العثمانية ونوابهم وأمرائهم المصرية

ظهر في عسكر مصر سنة جاهلية وبدعة شيطانية زرعت فيهم النفاق وأسست فيما بينهم الشقاق ووافقوا فيها أهل الحرف اللئام في قولهم سعد وحرام وهو أن الجند بأجمعهم اقتسموا قسمين و احتزبوا بأسرهم حزبين‏:‏ فرقة يقال لها فقارية وأخرى تدعى قاسمية ولذلك أصل مذكور وفي بعض سير المتأخرين مسطور لا بأس بإيراده في المسامرة تتميما للغرض في مناسبة المذاكرة وهو أن السلطان سليم شاه لما بلغ من ملك الديار المصرية مناه وقتل من قتل من الجراكسة وسامهم في سوق المواكسة قال يومًا لبعض جلسائه وخاصته وأصدقائه‏:‏ يا هل ترى هل بقي أحد من الجراكسة نراه وسؤال من جنس ذلك ومعناه‏.‏

فقال له خير بك‏:‏ نعم أيها الملك العظيم هنا رجل قديم يسمى سودون الأمير طاعن في السن كبير رزقه الله تعالى بولدين شهمين بطلين لا يضاهيهما أحد في الميدان ولا يناظرهما فارس من الفرسان‏.‏

فلما حصلت هذه القضية تنحى عن المفارشة بالكلية وحبس ولديه بالدار وسد أبوابه بالأحجار وخالف العادة واعتكف على العبادة‏.‏

وهو إلى الآن مستمر على حالته مقيم في بيته وراحته‏.‏

فقال السلطان‏:‏ هذا والله رجل عاقل خبير كامل ينبغي لنا أن نذهب لزيارته ونقتبس من بركته وإشارته قوموا بنا جملة نذهب إليه على غفلة لكي أتحقق المقال وأشاهده على أي حالة هو من الأحوال‏.‏

ثم ركب في الحال ببعض الرجال إلى أن توصل إليه ودخل عليه فوجده جالسا على مسطبة الإيوان وبين يديه المصحف وهو يقرأ القرآن وعنده خدم واتباع وعبيد ومماليك أنواع فعندما عرف أنه السلطان بادر لمقابلته بغير توان وسلم عليه ومثل بين يديه فأمره بالجلوس ولاطفه بالكلام المأنوس إلى أن اطمأن خاطره وسكنت ضمائره فسأله عن سبب عزلته وامتناعه عن خلطته بعشيرته فأجابه أنه لما رأى في دولتهم اختلال الأمور وترادف الظلم والجور وأن سلطانهم مستقل برأيه فلم يصغ إلى وزير ولا عاقل مشير وأقصى كبار دولته وقتل أكثرهم بما أمكنه من حيلته وقلد مماليكه الصغار مناصب الأمراء الكبار ورخص لهم فيما يفعلون وتركهم وما يفترون فسعوا بالفساد وظلموا العباد وتعدوا على الرعية حتى في المواريث الشرعية فانحرفت عنه القلوب وابتهلوا إلى علام الغيوب فعلمت أن أمره في أدبار ولابد لدولته من الدمار فتنحيت عن حال الغرور وتباعدت عن نار الشرور ومنعت ولدي من التداخل في الأهوال وحبستهما عن مباشرة القتال خوفًا عليهما لما أعلمه فيهما من الأقدام فيصيبهما كغيرهما من البلاء العام‏.‏

فإن عموم البلاء منصوص واتقاء الفتن بالرحمة مخصوص‏.‏

ثم أحضر ولديه المشار إليهما وأخرجهما من محبسهما فنظر إليهما السلطان فرأى فيهما مخايل الفرسان الشجعان وخاطبهما فأجاباه بعبارة رقيقة وألفاظ رشيقة ولم يخطئا في كل ما سألهما فيه ولم يتعديا في الجواب فضل التشبيه والتنبيه ثم أحضروا ما يناسب المقام من موائد الطعام فأكل وشرب ولذ وطاب وحصل له مزيد الانشراح وكمال الارتياح‏.‏

وقدم الأمير سودون إلى السلطان تقادم وهدايا وتفضل عليه الخان أيضا بالأنعام والعطايا وأمر بالتوقيع لهم حسب مطالبهم‏.‏

ورفع درجة منازلهم ومراتبهم ولما فرغ من تكرمه وإحسانه ركب عائدًا إلى مكانه وأصبح ثاني يوم ركب السلطان مع القوم وخرج إلى الخلا بجمع من الملا وجلس ببعض القصور ونبه على جميع أصناف العساكر بالحضور فلم يتأخر منهم أمير ولا كبير ولا صغير فطلب الأمير سودون وولديه فحضرا بين يديه فقال لهم‏:‏ أتدرون لم طلبتكم وفي هذا المكان جمعتكم‏.‏

فقالوا‏:‏ لا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب فقال‏:‏ أريد أن يركب قاسم وأخوه ذو الفقار ويترامحا ويتسابقا بالخيل في هذا النهار‏.‏

فامتثلا أمره المطاع لأنهما صارا من الجند والأتباع فنزلا وركبا ورمحا ولعبا واظهرا من أنواع الفروسية الفنون حتى شخصت فيهما العيون وتعجب منهما الأتراك لأنهم ليس لهم في ذلك الوقت أدراك‏.‏

ثم أشار إليهما فنزلا عن فرسيهما وصعدا إلى أعلى المكان فخلع عليهما السلطان وقلدهما أمارتان ونوه بذكرهما بين الأقران وتقيدا بالركاب ولازما في الذهاب والإياب‏.‏

ثم خرج في اليوم الثاني وحضر الأمراء والعسكر المتواني فأمرهم أن ينقسموا بأجمعهم قسمين وينحازوا بأسرهم فريقين قسم يكون رئيسهم ذو الفقار والثاني أخوه قاسم الكرار‏.‏

وأضاف إلى ذو الفقار أكثر فرسان العثمانيين وإلى قاسم أكثر الشجعان المصريين وميز الفقارية بلبس الأبيض من الثياب وأمر القاسمية أن يتميزوا بالأحمر في الملبس والركاب‏.‏

وأمرهم أن يركبوا في الميدان على هيئة المتحاربين وصورة المتنابذين المتخاصمين فأذعنوا بالانقياد وعلوا على ظهور الجياد وساروا بالخيل وانحدروا كالسيل وانعطفوا متسابقين ورمحوا متلاحقين وتناوبوا في النزال واندفعوا كالجبال وساقوا في الفجاج وأثاروا العجاج ولعبوا بالرماح وتقابلوا بالصفاح وارتفعت الأصوات وكثرت الصيحات وزادت الهيازع وكثرت الزعازع وكاد الخرق يتسع على الراقع وقرب أن يقع القتل والقتال فنودي فيهم عند ذلك بالانفصال‏.‏

فمن ذلك اليوم افترق أمراء مصر وعساكرها فرقتين واقتسموا بهذا اللعبة حزبين‏.‏

واستمر كل منهم على محبة اللون الذي ظهر فيه وكره اللون الآخر في كل ما يتقلبون فيه حتى أواني المتناولات والمأكولات والمشروبات والفقارية يميلون إلى نصف سعد والعثمانيين والقاسمية لا يألفون النصف حرام والمصريين‏.‏

وصار فيهم قاعدة لا يتطرقها اختلال ولا يمكن الانحراف عنها بحال من الأحوال ولم يزل الأمر يفشو ويزيد ويتوارثه السادة والعبيد حتى تجسم ونما واهريقت فيه الدماء‏.‏

فكم خربت بلاد وقتلت أمجاد وهدمت دور وأحرقت قصور وسبيت أحرار وقهرت أخيار‏.‏

وقيل غير ذلك وأن أصل القاسمية ينسبون إلى قاسم بك الدفتردار تابع مصطفى بك والفقارية نسبة إلى ذي الفقار بك الكبير وأول ظهور ذلك من سنة خمسين وألف والله أعلم بالحقائق‏.‏

وأتفق أن قاسم بك المذكور انشأ في بيته قاعة جلوس وتأنق في تحسينها وعمل فيها ضيافة لذي الفقار بك أمير الحاج المذكور فأتى عنده وتغدى عنده بطائفة قليلة ثم قال له ذو الفقار بك‏:‏ وأنت أيضا تضيفني في غد وجمع ذو الفقار مماليكه في ذلك اليوم صناجق وأمراء واختيارية في الوجاقات وحضر قاسم بك بعشرة من طائفته واثنين خواسك خلفه والسعاة والسراج فدخل عنده في البيت وأوصى ذو الفقار أن لا أحد يدخل عليهما إلا بطلب إلى أن فرشوا السماط وجلس صحبته على السماط‏.‏

فقال قاسم بك‏:‏ حتى يقعد الصناجق والاختيارية‏.‏

فقال ذو الفقار‏:‏ أنهم يأكلون بعدنا هؤلاء جميعهم مماليكي عندما أموت يترحمون علي ويدعون لي وأنت قاعتك تدعو لك بالرحمة لكونك ضيعت المال في الماء والطين‏.‏

فعند ذلك تنبه قاسم بك وشرع ينشئ إشراقات كذلك وكانت الفقارية موصوفة بالكثرة والكرم والقاسمية بكثرة المال والبخل‏.‏

وكان الذي يتميز به أحد الفريقين من الآخر إذا ركبوا في المواكب أن يكون بيرق الفقاري أبيض ومزاريقه برمانة وبيرق القاسمية أحمر ومزاريقه بجلبة‏.‏

ولم يزل الحال على ذلك‏.‏

واستهل القرن الثاني عشر وأمراء مصر فقارية وقاسمية‏:‏ فالفقارية ذو الفقار بك وإبراهيم بك أمير الحاج ودرويش بك واسمعيل بك ومصطفى بك قزلار وأحمد بك قزلار بجدة ويوسف بك القرد وسليمان بك بارم ذيله ومرجان جوزبك كان أصله قهوجي السلطان محمد قلدوه صنجقا فقاريا بمصر الجميع تسعة وأمير الحاج منهم والقاسمية مراد بك الدفتر دار ومملوكه ايواظ بك وإبراهيم بك أبو شنب وقانصوه بك وأحمد بك منوفيه وعبد الله بك‏.‏

ونواب مصر من طرف السلطان سليمان بن عثمان في أوائل القرن حسن باشا السلحدار سنة تسع وتسعين وألف وسنة مائة وواحد بعد الألف والسلطان في ذلك الوقت السلطان سليمان بن إبراهيم خان وتقلد إبراهيم بك أبو شنب إمارة الحاج واسمعيل بك الدفتردار وذلك سنة تسع وتسعين‏.‏ وفي

 

أواخر الحجة سنة تسع وتسعين وألف

حصلت واقعة عظيمة بين إبراهيم بك ابن ذي الفقار وبين العرب الحجازيين خلف جبل الجيوشي وقتلوا كثيرًا من العرب ونهبوا أرزاقهم ومواشيهم وأحضر منهم أسرى كثيرة ووقفت العرب في طريق الحج تلك السنة بالشرفة فقتلوا من الحاج خلقًا كثيرًا وأخذوا نحو ألف جمل بأحمالها وقتلوا خليل كتخدا الحج فعين عليهم خمسة أمراء من الصناجق فوصلوا إلى العقبة وهرب العربان‏.‏

وفي أيامه سافر ألفًا شخص من العسكر وألبسوا عليهم مصطفى بك طكوز جلان وسافروا إلى ادرنه في غرة جمادى الأولى سنة مائة وألف‏.‏

وفي رابع جمادى الثانية خنق الباشا كتخدا بعد أن أرسله إلى دير الطين على أنه يتوجه إلى جرجا لتحصيل الغلال وذلك لذنب نقمه عليه‏.‏

وفي شعبان نقب المحابيس العرقانة وهرب المسجونون منها‏.‏

وفي أيامه غلت الأسعار مع زيادة النيل وطلوعه في أوانه على العادة ثم عزل حسن باشا ونزل إلى بيت محمد بك حاكم جرجا المقتول وتولى قيطاس بك قائمقام فكانت مدته هذه المرة سنة واحدة وتسعة أشهر‏.‏

ثم تولى أحمد باشا وكان سابقا كتخدا إبراهيم باشا الذي مات بمصر وحضر أحمد باشا من طريق البر وطلع إلى القلعة في سادس عشر المحرم سنة مائة وإحدى وألف ووصل آغا بطلب ألفي عسكري وعليهم صنجق يكون عليهم سر دار فعينوا مصطفى بك حاكم جرجا سابقًا وسافر في منتصف جمادى الآخرة‏.‏

وفي هذا التاريخ سافرت تجريدة عظيمة إلى ولاية البحيرة والبهنسا وعليهم صنجقان وتوجهوا في ثاني عشر جمادى الآخرة وسافر أيضا خلفهم اسمعيل بك وجميع الكشاف وكتخدا الباشا وأغوات البلكات وكتخدا الجاويشية وبعض اختيارية وحاربوا ابن وافي وعربانه مرارًا ثم وقعت بينهم وقعة كبيرة فهزم فيها الأحزاب وولوا منهزمين نحو الغرق وأما قيطاس بك وحسن آغا بلغيا وكتخدا الباشا فأنهم صادفوا جمعًا من العرب في طريقهم فأخذوهم ونهبوا مالهم وقطعوا منهم رؤوسًا ثم حضر والي مصر‏.‏

وفي أنامهم كانت وقعة ابن غالب شريف مكة ومحاربته بها مع محمد بك حاكم جدة فكانت الهزيمة على الشريف‏.‏

وتولى السيد محسن بن حسين بن زيد إمارة مكة ونودي بالأمان بعد حروب كثيرة وزينت مكة ثلاثة أيام بلياليها وذلك في منتصف رجب ومرض أحمد باشا وتوفي ثاني عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين ومائة وألف ودفن بالقرافة فكانت مدته سنة واحدة وستة أشهر‏.‏

ومن مآثره ترميم الجامع المؤيدي وقد كان تداعى إلى السقوط فأمر بالكشف عليه وعمره ورمه‏.‏

وفي رابع عشر رجب توفي قيطاس بك الدفتر دار‏.‏

وفي ثاني يوم حضر قانصوه بك تابع المتوفى من سفره بالخزينة مكان كتخدا الباشا المتولي قائمقام بعد موت سيده فألبس قانصوه بك دفتردار ثم ورد مرسوم بولاية علي كتخدا الباشا قائمقام وأذن بالتصرف إلى آخر مسرى فكانت مدة تصرفه أربعة وتسعين يومًا ثم تولى علي باشا وحضر من البحر إلى القلعة في ثاني عشر رمضان سنة اثنتين ومائة وألف وحضر صحبته تترخان وأقام بمصر إلى أن توجه إلى الحج ورجع على طريق الشام‏.‏

وفي ثاني عشر القعدة حضر قرا سليمان من الديار الرومية ومعه مرسوم مضمونه الخبر بجلوس السلطان أحمد بن السلطان إبراهيم فزينت مصر ثلاثة أيام وضربت مدافع من القلعة‏.‏

وفي ثالث عشر صفر سنة ثلاث ومائة وألف ورد نجاب من مكة وأخبر بان الشريف سعد تغلب على محسن وتولى إمارة مكة فأرسل الباشا عرضًا إلى السلطنة بذلك‏.‏

وفي ثامن ربيع أول ورد مرسوم مضمونه ولاية نظر الدشابش والحرمين لأربعة من الصناجق فتولى إبراهيم بك ابن ذي الفقار أمير الحج حالًا عوضًا عن اغات مستحفظان ومراد بك الدفتردار على المحمدية عوضًا عن كتخدا مستحفظان وعبد الله بك على وقف الخاصكية عوضًا عن كتخدا العزب واسمعيل بك على أوقاف الحرمين عوضًا عن باش جاويش مستحفظان‏.‏

فألبسهم علي باشا قفاطين على ذلك‏.‏

وفي مستهل رمضان من السنة حضر من الديار الرومية الشريف سعد بن زيد بولاية مكة وتوجه إلى الحجاز‏.‏

وفي شهر شوال سافر علي كتخدا أحمد باشا المنوفي إلى الروم‏.‏

وفي تاريخه تقلد اسمعيل بك الدفتردارية عوضا عن مراد بك‏.‏

وفي ثالث عشر شوال قتل جلب خليل كتخدا مستحفظان ببابهم وحصلت في بابهم فتنة أثارها كحك محمد وأخرجوا سليم أفندي من بلكهم ورجب كتخدا والبسوهما الصنجقية في ثالث عشرينه وأبطل كجك محمد الحمايات من مصر باتفاق السبع بلكات وأبطلوا جميع ما يتعلق بالعزب والإنكشارية من الحمايات بالثغور وغيرها‏.‏

وكتب بذلك بيورلدي ونادوا به في الشوارع‏.‏

وفي غرة القعدة قبض الباشا على سليم أفندي وخنقه بالقلعة و نزل إلى بيته محمولًا في تابوت وتغيب رجب كتخدا ثم استعفى من الصنجقية فرفعوها عنه وسافر إلى المدينة‏.‏

وفي ثامن عشر ربيع الأول ورد مرسوم بتزيين الأسواق بمصر وضواحيها بمولودين توأمين رزقهما السلطان أحمد سمي أحدهما سليمان والآخر إبراهيم‏.‏

وفي ثاني عشر شعبان سافر حسين بك أبو يدك بألف نفر من العسكر لاحقًا بإبراهيم بك أبي شنب وقد كان سافر في أواخر ربيع الأول لقلعة كريد‏.‏

وفي ثاني عشر رمضان سنة خمس ومائة وألف الموافق الحادي عشر بشنس هبت ريح شديدة وتراب أظلم منه الجو وكان الناس في صلاة الجمعة فظن الناس أنها القيامة وسقطت المركب التي على منارة جامع طولون وهدمت دوركثيرة‏.‏

سنة ست ومائة وألف وقصر مد النيل تلك السنة وهبط بسرعة فشرقت الأراضي ووقع الغلاء والفناء‏.‏

وفي شهر الحجة سافر أناس من مكة إلى دار السلطنة وشكوا من ظلم الشريف سعد فعين إليه محمد بك نائب جدة واسمعيل باشا نائب الشام فوردا بصحبة الحاج فتحاربوا معه ونزعوه ونهب العسكر منزله وولوا الشريف عبد الله بن هاشم على مكة ثم بعد عود الحاج رجع سعد وتغلب وطرد عبد الله بن هاشم‏.‏

وفي هذه السنة وقعت مصالحات في المال الميري بسبب الري والشراقى‏.‏

وفي ثاني عشر جمادى الآخرة حضر الشريف أحمد بن غالب أمير مكة مطرودًا من الشريف سعد‏.‏

وفي ثامن عشر رجب سنة ألف ومائة وستة ورد الخبر بجلوس السلطان مصطفى بن محمد‏.‏

وفي ثاني عشر شعبان طلع أحمد بك بموكب مسافر اباش على ألف عسكري إلى انكروس وطلع بعده أيضا في سابع عشرينه اسمعيل بك بألف عسكري لمحافظة رودس بموكب إلى بولاق فأقام بها ثلاثة أيام ثم سافر إلى الإسكندرية‏.‏

وفي رابع شعبان ورد مرسوم بضبط أموال نذير آغا واسمعيل آغا الطواشيين فسجنوهما بباب مستحفظان وضبطوا أموالهما وختموها‏.‏

وفي خامس شوال أنهى أرباب الأوقاف والعلماء والمجاورون بالأزهر إلى علي باشا امتناع الملتزمين من دفع خراج الأوقاف وخراج الرزق المرصدة على المساجد وما يلزم من تعطيل وفي شوال أرسل الباشا إلى مراد بك الدفتردار بعمل جمعية في بيته بسبب غلال الانبار فاجتمعوا وتشاوروا في ذلك فوقع التوافق أن البلاد الشرقي تبقى غلالها إلى العام المقبل وأما الري فيدفع ملتزموها ما عليهم‏.‏

وأخذوا أوراقا بيعت بالثمن اشتراها الملتزمون من أرباب الاستحقاق عن الجراية مائة وخمسون نصفًا وغلق الملتزمون ما عليهم بشراء الوصولات‏.‏

وفي ثاني عشر شوال ورد الخبر من منفلوط بان الشريف فارس بن اسمعيل التيتلاوي قتل عبد الله بن وافي شيخ عرب المغاربة‏.‏

وفي حادي عشر القعدة ورد آغا بمرسوم بمبيع متاع نذير آغا واسمعيل آغا المعتقلين وضبط أثمانها ما عدا الجواهر والذخائر التي اختلسوها من السرايا فأنها تبقى بأعيانها وأن يفحص عن أموالهما وأماناتهما وأن يسجنا في قلعة الينكجرية ففعل بهم ذلك وبلغ أثمان المبيعات ألفا وأربعمائة كيس خلاف الجواهر والذخائر فأنها جهزت مع الأموال صحبة الخزينة على يد سليمان بك كاشف ولاية المنوفية‏.‏

سنة سبع ومائة وألف وفي منتصف المحرم أجتمع الفقراء والشحاذون رجالًا ونساءً وصبيانًا وطلعوا إلى القلعة ووقفوا بحوش الديوان وصاحوا من الجوع فلم يجبهم أحد فرجموا بالأحجار‏.‏

فركب الوالي وطردهم فنزلوا إلى الرميلة ونهبوا حواصل الغلة التي بها ووكالة القمح وحاصل كتخدا الباشا وكان ملآنًا بالشعير والفول وكانت هذه الحادثة ابتداء الغلاء حتى بيع الاردب القمح بستمائة نصف فضة والشعير بثلاثمائة والفول بأربعمائة وخمسين والأرز بثمانمائة نصف فضة وأما العدس فلا يوجد‏.‏

وحصل شدة عظيمة بمصر وأقاليمها وحضرت أهالي القرى والأرياف حتى امتلأت منهم الأزقة واشتد الكرب حتى أكل الناس الجيف ومات الكثير من الجوع وخلت القرى من أهاليها وخطف الفقراء الخبز من الأسواق ومن الأفران ومن على رؤوس الخبازين‏.‏

ويذهب الرجلان والثلاثة مع طبق الخبز يحرسونه من الخطيف وبأيديهم العصي حتى يخبزوه بالفرن ثم يعودون به‏.‏

واستمر الأمر على ذلك إلى أن عزل علي باشا في ثامن عشر المحرم سنة سبع ومائة ألف‏.‏

وورد مسلم اسمعيل باشا من الشام وجعل إبراهيم بك أبا شنب قائمقام ونزل علي باشا إلى منزل أحمد كتخدا العزب المطل على بركة الفيل فكانت مدته أربع سنوات وثلاثة أشهر وأيامًا ثم تولى اسمعيل باشا وحضر من البر وطلع إلى القلعة بالموكب على العادة في يوم الخميس سابع عشر صفر فلما استقر في الولاية ورأى ما فيه الناس من الكرب والغلاء أمر بجميع الفقراء والشحاذين بقراميدان فلما اجتمعوا أمر بتوزيعهم على الأمراء والأعيان كل إنسان على قدر حاله وقدرته وأخذ لنفسه جانبا ولأعيان دولته جانبًا وعين لهم ما يكفيهم من الخبز والطعام صباحًا ومساءً إلى أن انقضى الغلاء وأعقب ذلك وباء عظيم فأمر الباشا بيت المال أن يكفن الفقراء والغرباء فصاروا يحملون الموتى من الطرقات ويذهبون بهم إلى مغسل السلطان عند سبيل المؤمن إلى أن انقضى أمر الوباء وذلك خلاف من كفنه الأغنياء وأهل الخير من الأمراء والتجار وغيرهم وانقضى ذلك في آخر شوال‏.‏

وتوفي فيه الشيخ زين العابدين البكري وإبراهيم بك ابن ذي الفقار أمير الحاج وغيرهما‏.‏

ولما انقضى ذلك عمل الباشا مهما عظيما لختان ولده إبراهيم بك وختن معه ألفين وثلاثمائة وستة وثلاثين غلاما من أولاد الفقراء ورسم لكل غلام بكسوة كاملة ودينار‏.‏

وورد مرسوم بمحاسبة علي باشا المنفصل فحوسب فطلع عليه ستمائة كيس فختموا منزله وباعوا موجوداته حتى غلق ذلك‏.‏

وورد أمر بالزينة بسبب نصره فزينت المدينة وضواحيها ثلاثة أيام‏.‏

وفي رجب ورد مرسوم بطلب ألفين من العسكر وأميرهم مراد بك فلبس الخلع هو وأرباب المناصب وسافروا في حادي عشر شعبان‏.‏

وفي سابع عشر رجب سنة سبع ومائة وألف تقلد قيطاس بك تابع أمير الحاج ذي الفقار بك الصنجقية عوضا عن ابن سيده إبراهيم بك وورد الإفراج عن نذير آغا ورتب له خمسمائة عثماني وخمس جرايات وعشر علائف في ديوان مصر واستمر رفيقه اسمعيل آغا في السجن‏.‏

وفي رابع رجب ورد أحمد بك من السفر وفي سابعه تقلد أيوب بك إمارة الحج‏.‏

وفي ثاني شعبان ورد اسمعيل راجعا من السفر سنة ثمان ومائة وألف وفي ثالث عشر ربيع الأول ورد أمر بتزيين أسواق مصر سرورًا بمولود للسلطان وسمي محمودًا‏.‏

وورد أيضا الخبر باستشهاد مراد بك‏.‏

قتل ياسف اليهودي وفي ثالث عشر رمضان من السنة قامت العساكر على ياسف اليهودي‏.‏

قتلوه وجروه من رجله وطرحوه في الرميلة و قامت الرعايا فجمعوا حطبًا وأحرقوه وذلك يوم الجمعة بعد الصلاة‏.‏

وسبب ذلك أنه كان ملتزمًا بدار الضرب في دولة علي باشا المنفصل ثم طلب إلى اسلامبول وسئل عن أحوال مصر فأملى أمورًا والتزم بتحصيل الخزينة زيادة عن المعتاد وحسن بمكره أحداث محدثات ولما حضر مصر تلقته اليهود من بولاق واطلعوه إلى الديوان وقرأت الأوامر التي حضر بها ووافقه الباشا على أجرائها وتنفيذها‏.‏

وأشهر النداء بذلك في شوارع مصر فاغتنم الناس وتوجه التجار وأعيان البلد إلى الأمراء وراجعوهم في ذلك فركب الأمراء والصناجق وطلعوا إلى القلعة وفاوضوا الباشا فجادلهم بما لا يرضيهم فقاموا عليه قومة واحدة وسألوه أن يسلمهم اليهودي فامتنع من تسليمه فاغلظوا عليه وصمموا على أخذه منه فأمرهم بوضعه في العرقانة ولا يشوشوا عليه حتى ينظروا في أمره ففعلوا به كما أمرهم فقامت الجند على الباشا وطلبوا أن يسلمهم اليهودي المذكور ليقتلوه فامتنع فمضوا إلى السجن وأخرجوه وفعلوا به ما ذكر‏.‏

وفي تاريخه أحضر الباشا الشيخ محمد الزرقاني أحد شهود المحكمة بسبب أنه كتب حجة وقف منزل آل إلى بيت المال فأمر بحلق لحيته وتشهيره على جمل في الأسواق والمنادي ينادي عليه‏:‏ هذا جزاء من يكتب الحجج الزور‏.‏

ثم أمر بنفيه إلى جزيرة الطينة‏.‏

وفي صفر وردت سكة دينار عليها طرة فجمع الباشا الأمراء وأحضر أمين الضربخانة وسلمها له وأمره أن يطبع بها وأن يكون عيار الذهب اثنين وعشرين قيراطا والوزن كل مائة شريفي مائة وخمسة عشر درهما وسعر أبي طرة مائة وخمسة عشر نصفًا‏.‏

وفي ذلك الشهر لبس عبد الرحمن بك على ولاية جرجا وتوجه إليها‏.‏

وفي ثاني عشر ربيع الأول قامت العسكر المصرية وعزلوا الباشا فكانت مدة اسمعيل باشا سنتين وتقلد مصطفى بك قائمقام مصر إلى أن حضر حسين باشا من صيدا وطلع إلى القلعة في موكب عظيم سنة تسع ومائة وألف في منتصف رجب ورد مرسوم بطلب تجهيز ألفي نفر من العسكر وعليهم يوسف بك المسلماني فقضى أشغاله وسافر في تاسع عشر رمضان‏.‏

وفي منتصف شهر ذي الحجة خرج اسمعيل باشا إلى العادلية ليسافر‏.‏

وكان قد حاسبه حسين باشا فتأخر عليه خمسون ألف اردب دفع عنها خمسين كيسًا وباع منزله وبلاد البدرشين التي كان قد وقفها وتوجه إلى بغداد‏.‏ وفي